ابن أبي الحديد

68

شرح نهج البلاغة

فإذا أصلحنا كلامه على ما ينبغي ، قلنا له في الاعتراض عليه : لم قلت إنه إذا خرج اللفظ عن أن يكون له شركة في الدلالة على الحقيقة ، لم يكن ما تكلم به الانسان دالا على ما تكلم به ؟ ولم لا يجوز أن يكون للحقيقة مجازان قد كثر استعمالهما حتى نسيت تلك الحقيقة ، فإذا تكلم الانسان بذلك اللفظ كان دالا به على أحد ذينك المجازين ، ولا يكون له تعرض ما بتلك الحقيقة ، فلا يكون الذي تكلم به غير دال على ما تكلم به ، لان حقيقة تلك اللفظة قد صارت ملغاة منسية ، فلا يكون عدم إرادتها موجبا أن يكون اللفظ الذي يتكلم به المتكلم غير دال على ما تكلم به ، لأنها قد خرجت بترك الاستعمال ، عن أن تكون هي ما تكلم به المتكلم . ثم يقال ؟ : إنك منعت أن يكون قولنا : ( زيد أسد ) . كناية وقلت : لأنه لا يجوز أن يحمل أحد هذا اللفظ على أن ( زيدا ) هو السبع ذو الأنياب والمخالب ، ومنعت من قول الفراء إن الجبال في قوله : ( لتزول منه الجبال ) كناية عن دعوة محمد صلى الله عليه وآله وشريعته ، لان أحدا لا يعتقد ولا يتصور أن مكر البشر يزيل الجبال الحقيقية عن أماكنها ، ومنعت من قول من قال إن قول الشاعر : * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ( 1 ) * من باب الكناية ، لان أحدا لا يتصور أن الحقائب - وهي جمادات - تثنى وتشكر . وقلت : لا بد أن يصح حمل لفظ الكناية على محملي الحقيقة والمجاز . ثم قلت : إن

--> ( 1 ) لنصيب ، من أبيات يمدح فيها سليمان بن عبد الملك وصدره : * فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله * البيان والتبيين 1 : 83 .